جان لوئيس بوركهارت
190
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
رجل من مصر قيل إنه نصراني لأنه كان يدون المذكرات عن رحلته « * » . وروى أن الرجل أهدى مك بربر هدايا سخية ، فأوصى به جماعة صغيرة من البشاريين توصية معزّزة مشدّدة ، وخرج صاحبنا إلى سواكن في صحبتهم ، ولكنهم فتكوا به في الطريق ، ولما عادوا إلى بربر صالحوا المك بهدية صغيرة . وسمعت بعد ذلك بقصة مسافر كان يجهر بنصرانيته ولا يكاد يتكلم العربية ، مر بسنار قبل ثماني سنين أو عشر قادما من الشمال - ولعله قدم من مصر - فقتله العرب في الجبال الواقعة بين سنار والحبشة لا في طريق القوافل . ولما كنت في شندى استفسرت عنه فلم ينبئنى بنبئه أحد . ولو كان مجيئه بطريق القوافل الغربى القادم من دارفور وكردفان لأنبأونى بخبره ، لأن البيض - والرجل أبيض فيما روى - يسترعون الالتفات في هذه الأرجاء عنهم في الطريق القادم من مصر ، ولرآه بعض القادمين من كردفان ، وقد عرفت منهم كثيرين في شندى ، ولم أسمع أنه كان يكتب يومية عن رحلته . إن ما يصيبه المسافر في هذه الأصقاع من توفيق جله بل كله رهن بأدلائه ورفاقه في الرحلة وما يضمرون له من نوايا طيبة . فإذا لم يكن خبيرا بلغة البلاد تعذر عليه اختيار أصلح الأدلاء أو الرفاق ، وتعذر عليه تجنب الفخاخ التي يوقعه فيها غدر القوم ولؤمهم . ولن يغنيه فتيلا أن يركن للحظ لعله يقيض له قوما أمناء طيبين ، إذ قل أن تجود هذه البلاد بنفر من هؤلاء يحسب لهم حساب في رحلة الغريب بين أرجائها ، ولا بد للمسافر أن يسئ الظن بمن حوله ، وليحسب نفسه سعيدا إذا وفق إلى الكشف عن نفر بينهم يمكنه أن يثق بهم ويطمئن إليهم بعض الاطمئنان ويستعين بهم على بلوغ أهدافه ، وهو ما لا سبيل إليه إلا بالتوفيق بين مصالحهم وسلامته . وليحذر أول ما يحذر أن بروه يدوّن المذكرات ، وإني لعلى يقين من أنني كنت أستهدف لأخبث الشائعات وأضرها ، وأن ما أرجو من نجاح كان مقضيا عليه القضاء المبرم ، لو أن رفاقى ضبطونى متلبسا
--> ( * ) أو « يكتب البلاد » كما يصف القوم هنا وفي مصر السائح الذي يدون الذكرات عن رحلته .